السيد الطباطبائي

255

تفسير الميزان

وقال : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) ( البقرة : 117 ) ومنه يوجه قوله : ( قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) ( المؤمن : 48 ) . وإن كان في تشريع أفاد معنى التقنين والحكم المولوي قال تعالى : ( وعندهم التوراة فيها حكم الله ) ( المائدة : 43 ) وقال : ( ومن أحسن من الله حكما ) ( المائدة : 50 ) وإذا نسب إلى الأنبياء عليهم السلام أفاد معنى القضاء وهو من المناصب الإلهية التي أكرمهم بها قال تعالى : ( فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) ( المائدة : 48 ) وقال تعالى : ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ) ( الانعام : 89 ) . ولعل في بعض الآيات إشعارا أو دلالة على إيتائهم الحكم بمعنى التشريع كما في قوله حكاية عن إبراهيم عليه السلام في دعائه : ( رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ) ( الشعراء : 83 ) . وأما غير الأنبياء من الناس فنسب إليهم الحكم بمعنى القضاء كما في قوله : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) ( المائدة : 47 ) والحكم بمعنى التشريع وقد ذمهم الله عليه كما في قوله : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا - إلى أن قال - ساء ما يحكمون ) ( الانعام : 136 ) وقوله ( وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ) ( هود : 45 ) والآية بحسب موردها يشمل الحكم بمعنى إنجاز الوعد وإنفاذ الحكم . قوله تعالى : ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) الضميران في قوله : يكفر بها ) وقوله : ( وكلنا بها ) راجعان إلى الهدى ويجوز فيه التذكير والتأنيث من جهة أنه هداية ، أو راجعان إلى الكتاب والحكم والنبوة التي هي من آثار الهداية الإلهية ، ولا يخلو أول الوجهين عن بعد ، والمشار إليه بقوله : ( هؤلاء ) الكافرون بالدعوة من قوم النبي صلى الله عليه وآله والمتيقن منهم بحسب مورد الآية كفار مكة الذين أشار الله سبحانه إليهم بقوله : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ( البقرة : 6 ) . والمعنى على الوجه الأول : فإن يكفر مشركو قومك بهدايتنا وهى طريقتنا فقد وكلنا بها من عبادنا من ليس يكفر بها ، والكفر والايمان يتعلقان بالهداية وخاصة إذا كانت